الدعوى غير المباشرة للدائن: وسيلة قانونية لحماية الضمان العام للدائنين

يُعد الوفاء بالالتزامات المالية حجر الأساس في استقرار المعاملات المدنية والتجارية، غير أن بعض المدينين قد يهملون أو يمتنعون عن استعمال حقوقهم تجاه الغير، بما يؤدي إلى الإضرار بدائنيهم وتهديد الضمان العام المقرر لهم. وفي هذا السياق، أتاح الفقه والقضاء وسيلة قانونية استثنائية تُعرف بـ الدعوى غير المباشرة للدائن، تُمكّن الدائن من حماية حقه دون حلولٍ كامل محل المدين.

وتكتسب هذه الدعوى أهمية خاصة في المنازعات المالية المعقدة، إذ تمثل أداة فعّالة لمواجهة تعسف المدين أو تقاعسه، وتحقيق التوازن بين أطراف العلاقة القانونية.

أولًا: مفهوم الدعوى غير المباشرة للدائن

الدعوى غير المباشرة هي حق يقرره النظام للدائن، يتيح له استعمال حقوق مدينه تجاه الغير، إذا أهمل المدين استعمالها، وكان هذا الإهمال من شأنه الإضرار بحقوق الدائن.

ولا يطالب الدائن في هذه الدعوى بحق شخصي له، وإنما يمارس حقًا ثابتًا في ذمة المدين، حفاظًا على الضمان العام للدائنين.

ثانيًا: الأساس النظامي للدعوى غير المباشرة

تستند الدعوى غير المباشرة في النظام السعودي إلى:

  1. القواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي تقرر منع الضرر وحماية الحقوق.
  2. المبادئ القضائية المستقرة التي أجازت للدائن حماية حقه عند تقاعس المدين.
  3. نظرية الضمان العام للدائنين المعمول بها في الفقه والقضاء.
  4. القواعد العامة في المسؤولية والالتزامات.

ورغم عدم وجود نص نظامي صريح تحت مسمى الدعوى غير المباشرة، إلا أن القضاء السعودي أخذ بها تطبيقًا لمقاصد العدالة.

ثالثًا: الطبيعة القانونية للدعوى غير المباشرة

تتميز الدعوى غير المباشرة بطبيعة خاصة، فهي:

  • ليست متصلة بشخص المدين (مثل الحقوق الأدبية أو الشخصية).
  • ليست غير قابلة للحجز.
  • وأن يترتب على إهمالها زيادة ديون المدين دون زيادة مقابلة في أمواله.

ويكون أثرها محصورًا في حماية أموال المدين من الضياع أو التلاشي.

رابعًا: شروط قبول الدعوى غير المباشرة

يشترط لقبول الدعوى غير المباشرة توافر شروط محددة، وهي:

  1. وجود دين ثابت للدائن ومؤكداً

ويجب أن يكون الدين محقق الوجود، ولو كان مؤجلًا، ما دام ثابتًا في ذمة المدين.

  1. تقاعس وتقصير المدين عن استعمال حقه

ويتحقق ذلك بامتناع المدين أو إهماله في رفع الدعوى أو المطالبة بحقه او المحافظة عليها

  1. أن يكون تقاعس المدين ضارًا بالدائن

أي أن يؤدي الإهمال إلى إنقاص الضمان العام للدائنين أو تعريض حقهم للخطر، ويقصد بالإعسار في هذه الحالة الإعسار الفعلي، والإعسار الفعلي هو حالة واقعية تنشأ عن زيادة ديون المدين المستحقة وغير المستحقة الأداء عن حقوقه.

  1. أن يكون الحق قابلًا للاستعمال

فلا تجوز الدعوى غير المباشرة في الحقوق اللصيقة بشخص المدين، كالحقوق الشخصية البحتة.

خامساً: إجراءات رفع الدعوى غير المباشرة

تُرفع الدعوى غير المباشرة وفق الإجراءات العامة، مع مراعاة ما يلي:

  1. يرفع الدائن الدعوى باسم مدينة للمطالبة بحق له في ذمة الغير
  2. يُختصم المدين والغير معًا في الدعوى.
  3. يلتزم الدائن بإثبات شروط الدعوى.
  4. يكون الحكم لصالح ذمة المدين وليس للدائن مباشرة.

وتخضع الدعوى لاختصاص المحكمة المختصة بحسب طبيعة الحق.

سادساً: آثار الحكم في الدعوى غير المباشرة

يترتب على الحكم الصادر في الدعوى غير المباشرة آثار مهمة، من أبرزها:

  • دخول الحق المستوفى في ذمة المدين،
  • تعزيز الضمان العام للدائنين كافة،
  • يجوز لمدين ان يتمسك في مواجهة  الدائن باعتباره نائباً بجميع الدفوع ولكن لايجوز له التمسك في مواجهة الدائن بالدفوع من علاقته الشخصية به، وذلك لان الدائن لايدعي باسمه الشحصي ولكن باعتباره نائباً.
  • بقاء الحق مشتركًا بين جميع الدائنين.

ولا يجوز للدائن الاستئثار بنتيجة الدعوى دون سلوك طريق التنفيذ النظامي.

سابعاً: الفرق بين الدعوى غير المباشرة ودعوى عدم نفاذ التصرف

يجب التمييز بين:

  • الدعوى غير المباشرة: تستهدف استعمال حق أهمله المدين.
  • دعوى عدم نفاذ التصرف (البوليصية): تستهدف الطعن في تصرف أضر بالدائنين.

ويختلف الأساس والغاية والأثر في كلتا الدعويين.

ثامناً: دور المحامي في الدعوى غير المباشرة

يضطلع المحامي بدور محوري في هذا النوع من الدعاوى، من خلال:

  • دراسة المركز المالي للمدين،
  • تحديد الحقوق المهملة،
  • إثبات توافر شروط الدعوى،
  • صياغة الطلبات بدقة،
  • حماية مصلحة الدائن دون تجاوز الإطار النظامي.

وتتطلب هذه الدعوى خبرة فنية عالية في تكييف العلاقات القانونية.

خاتمة

تمثل الدعوى غير المباشرة للدائن إحدى الوسائل القانونية المتقدمة لحماية الحقوق المالية، وتجسد حرص النظام القضائي السعودي على تحقيق العدالة ومنع التحايل أو الإضرار بالدائنين. ورغم طابعها الاستثنائي، فإنها تشكل أداة فعّالة متى استُخدمت في إطارها النظامي الصحيح.

ويظل الوعي بهذه الدعوى، والاستعانة بالخبرة القانونية المتخصصة، من العوامل الأساسية لضمان حسن استعمالها وتحقيق الغاية المرجوة منها.