تقوم المعاملات المالية على مبدأ الثقة والائتمان، ويُعد الضمان العام المقرر لأموال المدين الركيزة الأساسية التي يستند إليها الدائن في استيفاء حقه. غير أن بعض المدينين قد يلجؤون إلى التصرف في أموالهم بقصد الإضرار بدائنيهم، من خلال البيع أو الهبة أو نقل الملكية إلى الغير، تهربًا من التنفيذ. وهنا تبرز دعوى عدم نفاذ التصرفات، المعروفة فقهيًا باسم الدعوى البوليصية، كوسيلة قانونية فعّالة لحماية الدائن ومنع التحايل.
وقد استقر القضاء السعودي على إعمال هذه الدعوى تحقيقًا لمبادئ العدالة، ومنعًا للإضرار بالغير، بما ينسجم مع القواعد الشرعية والنظامية.
أولًا: مفهوم دعوى عدم نفاذ التصرفات
دعوى عدم نفاذ التصرفات هي دعوى يرفعها الدائن للطعن في تصرف قام به المدين، متى ثبت أن هذا التصرف أُبرم بقصد الإضرار بالدائنين، وأن من شأنه إنقاص الضمان العام المقرر لهم.
ولا تهدف هذه الدعوى إلى إبطال التصرف في ذاته، وإنما إلى عدم سريانه في مواجهة الدائن، بحيث يبقى التصرف صحيحًا بين أطرافه، لكنه غير نافذ بحق الدائن رافع الدعوى.
ثانيًا: الأساس النظامي للدعوى البوليصية في السعودية
رغم عدم وجود نص نظامي صريح تحت مسمى الدعوى البوليصية، إلا أن الأساس النظامي لها يستند إلى:
- القواعد العامة في الشريعة الإسلامية، وعلى رأسها قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.
- نظرية الضمان العام للدائنين المعمول بها قضاءً.
- المبادئ القضائية المستقرة في المحاكم السعودية.
- القواعد العامة في إساءة استعمال الحق.
وقد أخذ القضاء السعودي بهذه الدعوى متى ثبت قصد الإضرار وتوافر شروطها.
ثالثًا: الطبيعة القانونية للدعوى
تتميز دعوى عدم نفاذ التصرفات بعدة خصائص، من أهمها:
- دعوى شخصية للدائن،
- ذات طابع تحفظي،
- لا تُبطل التصرف وإنما تمنع نفاذه في مواجهة الدائن،
- لا تمنح الدائن أولوية على باقي الدائنين.
وتهدف هذه الطبيعة إلى إعادة التوازن بين أطراف العلاقة القانونية.
رابعًا: شروط قبول دعوى عدم نفاذ التصرف
يشترط لقبول هذه الدعوى توافر الشروط الآتية:
- وجود دين ثابت في ذمة المدين
ويشترط أن يكون الدين سابقًا على التصرف المطعون فيه أو على الأقل محقق الوجود.
- صدور تصرف من المدين
كبيع، أو هبة، أو تنازل، أو نقل ملكية، يؤدي إلى إنقاص أمواله.
- قصد الإضرار بالدائن
ويُستدل عليه من ظروف الواقعة، كالتصرف بلا مقابل أو بثمن بخس.
- علم المتصرف إليه بالإضرار
ويُشترط ذلك في التصرفات بعوض، أما التبرعات فيكفي فيها قصد المدين وحده.
خامسًا: التصرفات القابلة للطعن
تشمل التصرفات التي يجوز الطعن عليها بالدعوى البوليصية:
- الهبات والتبرعات،
- البيع الصوري،
- البيع بثمن غير متناسب،
- نقل الملكية للأقارب بقصد التحايل،
- ترتيب حقوق عينية صورية.
سادسًا: إجراءات رفع الدعوى البوليصية
تمر الدعوى بعدة مراحل إجرائية، أهمها:
- رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة.
- اختصام المدين والمتصرف إليه معًا.
- إثبات شروط الدعوى من قبل الدائن.
- نظر المحكمة في الأدلة والقرائن.
- صدور الحكم بعدم نفاذ التصرف في حق الدائن.
وتخضع الدعوى للقواعد العامة في الإثبات والاختصاص.
سابعًا: آثار الحكم بعدم نفاذ التصرف
يترتب على الحكم الصادر في الدعوى البوليصية:
- بقاء التصرف صحيحًا بين المدين والمتصرف إليه،
- عدم سريان التصرف في مواجهة الدائن،
- تمكين الدائن من التنفيذ على المال محل التصرف،
- استفادة باقي الدائنين من الحكم بعدم نفاذ تصرف المدين
ولا يترتب على الحكم إلغاء العقد أو إعادته للمدين تلقائيًا.
ثامنًا: الفرق بين الدعوى البوليصية والدعوى غير المباشرة
- الدعوى البوليصية: تستهدف الطعن في تصرف أضر بالدائنين ويختلف الأساس والغاية والأثر في كلتا الدعويين.
- الدعوى غير المباشرة: تستهدف استعمال حق أهمله المدين.
ويختلف الأساس القانوني والغاية في كل منهما رغم تقاطعهما في حماية الدائن.
تاسعًا: دور المحامي في دعوى عدم نفاذ التصرفات
يلعب المحامي دورًا محوريًا في هذا النوع من الدعاوى، من خلال:
- تحليل نية المدين وظروف التصرف،
- جمع الأدلة والقرائن،
- صياغة صحيفة الدعوى بدقة،
- تمثيل الدائن أمام المحكمة،
- متابعة إجراءات التنفيذ بعد الحكم.
وتتطلب هذه الدعاوى خبرة قانونية دقيقة لما تنطوي عليه من تعقيد.
خاتمة
تُعد دعوى عدم نفاذ التصرفات إحدى أهم الأدوات القانونية التي كفلها القضاء السعودي لحماية حقوق الدائنين ومنع التحايل والإضرار. وقد أسهم تطبيقها في تعزيز الثقة في المعاملات، وترسيخ مبدأ العدالة، وحماية الضمان العام للدائنين.
ويظل حسن استعمال هذه الدعوى، ضمن إطارها النظامي، وبمساندة قانونية متخصصة، هو الضمان الحقيقي لتحقيق الغاية المرجوة منها.
